بحث كامل عن نشأة التساتير
المبحث الأول
الأسلوب غير الديمقراطي لنشأة الدساتير
وهو الأسلوب الذي تتبدى فيه إدارة الحاكم وحدة في وضع الدستور أو تتلاقى فيه إرادته وإرادة الشعب ففي الحالة الأول يكون الدستور قد صدر في شكل المنحة من الحاكم، ملكا كان أو إمبراطور، وفي الحالة الثانية يكون الدستور قد صدر في شكل عقد بين الحاكم من جانب والشعب من جانب آخر ويسمى هذه الأسلوب سواء صدر الدستور في شكل منحة أو في شكل عقد بالأسلوب غير الديمقراطي لأن إرادة الأمة أو الشعب لم تستقل بشأن وضع الدستور.
1- صدور الدستور في شكل منحة : (loctrol)
يكون الدستور قد صدر في شكل منحة إذا استقل الحاكم بوضعه ، فتنازل بصوفه صاحب السادة من بعض سلطاته للشعب في صورة مواثيق أو عهود.
ويعتبر الدستور في هذه الحالة منحة ملكية وتنازلا من جانب الحاكم عن بعض حقوق السيادة التي يملكها.
وقد يكون المنح تلقائيا أي بمحض إرادة الحاكم وهي من الوجهة النظرية وقد يكون تحت ضغط وإكراه من جانب الشعب، وهو ما يصدق على أغلب الحالات التي يصدر فيها هذا النوع من الدساتير.
فالظروف السياسية هي التي تدفع الحاكم عادة إلى منح الدستور،بل إن شئنا الدقة قلنا إنها هي التي تجبره ومن أمثلة الدساتير التي صدرت في شكل منحة، الدستور الفرنسي الصادر عام 1814، عقب هزيمة نابليون وروجع الملكية إلى فرنسا والدستور الياباني والصادر عام 1889, ويثير التساؤل فقه القانون الدستوري عما إذا كان للحكم الذي منح الدستور حق استرداده ، أي أن يقوم بحبه أو إلغائه؟ وبمعنى أخر ما مدى التزام الحاكم صاحب السيادة بالدستور الذي منحه الشعب؟
وقد أنقسم الفقه الدستوري في هذا الشأن إلى اتجاهين:
1- ويمثل رأي القلة – إلى أن الحاكم وقد أصر الدستور في شكل منحة أو منه، يكون من حقه استرداده أو إلغائه في أي وقت فمن يملك المنح يملك الاسترداد، ولا يحرم الحاكم من هذا الحق إلا إذا كان قد تنازل عنه صراحة في نصوص الدستور.
2- ويمثل رأي الأغلبية- إلى أن الدستور وقد منح من جانب الحاكم، فإن هذا الأخير لم يعط للشعب حقا جديدا تفضل به عليه، ولكنه أعاد إليه سلطه الأصلية التي كانت مغتصبه منه في ظل حكمة المطلق.
فالدستور وقد منح من جانب الحاكم يكون قد تعلق به حق لأمة مثل يجوز استرداده أو حتى تعديله إلا وقفا للطرق القانونية المقررة لإنهاء الدساتير أو تعديلها.
- وأيما كان الخلاف السابق والقول بجواز استرداد الدستور من جانب الحكام أو عدم جوازه فإن ثمة ملاحظة تفرض نفسها في هذا الخصوص وهي أن الحاكم حينما يصدر الدستور في شكل المنح غالبا يتصور أن باستطاعته الرجوع فيه أو تعديله كما يشاء.
وهذا ما حدث في فرنسا عام 1830 حينما قرر الملك شار العاشر إلغاء دستور 1814 الذي كان قد صدر في شكل منحة بحجة أن للملك حق سحبه وإلغائه متى أظهر الشعب نكرانا للجميل أو جحودا بالمنحة
2-صدور الدستور بطريقة العقد La pacte :
يكون الدستور قد صدر في شكل عقد إذا تم وضعه بالاتفاق بين الحاكم ومن من جانب والشعب من جانب آخر ، وعلى هذا النحو لا تنفرد إرادة الحاكم بوضع الدستور كما هو الحال في صدور الدستور في شكل منحة، ولا تنفرد إدارة الإمة وحدها بوضع الدستور وإنما يكون الدستور تبعا لطريقة العقد، بإجماع إرادة الحاكم وإرادة الأمة.
ويحمل معنى وضع الدستور عن طريقة العقد دالة ظهور إرادة الأمة ولذا يعد طريقة العقد أكثر ديمقراطية من طريقة المنحة.
- ومن الناحية العملية يتم وضع الدستور، بطريقة العقد حين يقوم ممثلو الشعب ( جمعية تأسيسية) بوضع مشروع الدستور ثم يعرضونه على الحاكم الذي يوافق عليه ويوقعه وعندئذ تلتفت الإرادتان ويتم وضع الدستور.
- ولما كان الدستور الكويتي قد صدر عن طريق العقد بين الأمير والشعب ممثلا في المجلس التأسيسي فقد تقرر عدم جواز تعديله إلى بموافقة الجهتين اللتين ساهعتها في وضعه وهما الأمير والشعب ممثلا في المجلس التأسيسي.
- تقدير طريقة العقد:
لاشك أن طريقة العقد ين الحاكم والأمة في وضع الدساتير تمثل تطورا نحو الديمقراطية بالمقارنة بطريقة المنحة، ففي المنحة تتبرى إدارة الحاكم وحدها وباعتبارها صادرة عن الصاحب الفعلي للسيادة فينزل الدستور في هذه الحالة من على يتنازل الحاكم عن جزء من سيادته لشعبه أما في التعاقد فنجد أن الحاكم قد اعترف بالشعب ولكن كشريك معه في السيادة وإذا كان ذلك هو وجه تقدم طريقة العقد وتطورها عن طريقة المنحة إلا أنه يلاحظ أن كلاهما يتنافى مع جوهر المبدأ الديمقراطي وحقيقته وذلك المبدأ الذي يحمل السيادة للشعب والشعب وحدة دون سواه.
المبحث الثاني
الأسلوب الديمقراطي لنشأة الدساتير
الأسلوب الديمقراطي على عكس الأسلوب غير الديمقراطي حيث أن الأسلوب الديمقراطي يقر وضع الدساتير للأمة وحدها دون سواها بسلطة وضع الدستور باعتبارها صاحبة السيادة ومصدر جميع السلطات والدساتير التي توضح تبعا للأسلوب الديمقراطي أما أن تكون من طريقة جمعية تأسيسية، وإما أن تكون عن طريق الاستفتاء من الدستوري.
- صدور الدستور عن طريق الجمعية التأسيسية:
في هذه الحالة يقوم الشعب بانتخاب هيئة نيابية يناط بها مهمة وع الدستور وتسمى هذه الهيئة النيابية بالجمعية التأسيسية أو المجلس التأسيسي.
وتبعا لهذه الطريق يصدر الدستور ويصير نافذا بمجرد إقرار من جانب الجمعية التأسيسية، دون أن يتوقف ذلك على موافقة أحد.
وتعد هذه الطريقة أكثر الطرق انتشارا في الوقت الراهن لكونها أقرب إلى الديمقراطية الصحيحة، فهي تقوم على اسناد السيادة للأمة والأمة وحدها.
- صدور الدستور بطريقة الاستفتاء الدستوري:
إذا كان الشعب في الحالة السابقة يصدر الدستور بطريق غير مباشر عن طريق الجمعية التأسيسية، وذلك عن طريق قيامه بانتخاب هيئة تتولى وضع الدستور نيابة عنه، فإن الشعب قد يصدر الدستور بطريقة مباشرة عن طريق الاستفتاء الدستوري فيمارس سيادته بنفسه لا بواسطة نواب عنه متبعا في ذلك أكثر الطرق ديمقراطية في وضع الدساتير .
وتبعا لطريقة الاستفتاء الدستوري يتم وضع مشروع الدستور عن طريقة جمعية نيابية أو لجنة تقوم بمجرد تحضيره وإعداده، ثم يعرض هذا المشروع على الشعب لاستفتائه فيه.
ولا يأخذ الدستور قوته الملزمة بطبيعة الحال إلا بعد موافقة الشعب عليه وإقراره له في الاستفادة فماذا تم ذلك صار الدستور نأخذ دون حاجة إلى عرضه على الحاكم بعد ذلك للموافقة عليه.
اختلاف طريقة الاستفتاء الدستوري عن طريق الجمعية التأسيسية:
ذهب بعض الفقه إلى أن وسيلة الاستفتاء الدستوري لا تعتبر وسيلة متميزة عن وسيلة الجمعية التأسيسية في إصدار الدساتير، إذ أن الاستفتاء الدستوري لا يعد في تصورهم أن يكون مجرد تطوير في أسلوب الجمعية التأسيسية وتنويعا فيها.
غير أن الرأي السابق لم يلق هوى لدى الغالبية العظمى من الفقه الذي يرى في وسيلة الاستفتاء الدستوري وسيلة متمايزة ومستقلة عن وسيلة الجمعية التأسيسية.
ونحن من جانبنا نشاطر الرأي الغالب والمستقر في الفقه لرجاحة ما قدمه من أدلة في هذا الخصوص، ويمكننا إجمالها فيما يلي:
- إنه ليس يلازم في طريقة الاستفتاء الدستوري أو الشعبي أن يكون مشروع الدستور من إعداد جمعية تأسيسية منتخبة إذ كثيرا ما يناط أمر إعداده إلى لجنة حكومية.
- إنه حتى في حالة إعداد ووضع المشروع الدستور عن طريق جمعية منتخبة خصصيا لهذا الغرض فإنه يلزم عرض هذا المشروع على الشعب للاستفتاء والموافقة عليه.
- إن نظام الجمعية التأسيسية كطريقة من طرق وضع الدساتير يعد من تطبيقات النظام النيابي.
- الأساليب السابقة في نشأة الدساتير ليست بأساليب جامعية أو مانعة.
الخاتمة:
من هذا العرض الموجز لأساليب نشأة الدساتير يمكننا التعليق عليها بالتالي أن نشأة الدساتير قد تتباين وفقاً للظروف التي يوجد فيها كل دستور، وهذا بالتالي يعتمد على النظام السياسي القائم ونوع الحكم السائد في البلاد. ومن ثم فقد مرت عملية نشأة الدساتير بعدة مراحل: المرحلة الأولى كان الملوك ينفردون بالسلطة التأسيسية من الناحية القانونية وهو ما أطلقنا عليه أسلوب المنحة، المرحلة الثانية وهى المرحلة التي تبرز فيها جهود الشعب عن طريق هيئات تعمل باسمه لحمل الملوك على الاعتراف بحق الشعب في المشاركة في السلطة التأسيسية، وهو ما يعرف بأسلوب التعاقد، المرحلة الثالثة وهى مرحلة إنفراد الشعب بالسلطة التأسيسية وهو أسلوب الجمعية التأسيسية، والذي قد أدى إلى ظهور أسلوب الاستفتاء الدستوري، في الحالات التي لا يباشر فيها الشعب بنفسه السلطة التأسيسية ويوكلها إلى هيئة أو لجنة مختصة، تضع مشروع الدستور الذي لا يتحول إلى دستور إلا بعد موافقة الشعب عليه في الاستفتاء العام. ويجب الأخذ بعين الاعتبار عند البدء في وضع مسودة الدستور تجنب الاعتماد على أسلوب أو اصطلاحات معينة ومحددة مثل أساليب العقد أو التعاقد أو المنحة، وينبغي أن ينصب جهد اللجنة التأسيسية على دراسة حقائق نشأة الدستور في ضوء الظروف السياسية التي صاحبت نشأته في المجتمع. والثابت فقهاً أن أسلوب الاستفتاء الشعبي لا يكون إلا بشأن موضوع محدد لإقراره، ومثاله الاستفتاء بشأن تغيير شكل نظام الحكم أو الاستفتاء على مشروع الدستور. إذ ينبغي قانوناً أن يكون الانتخاب المباشر من الشعب هو الأداة الشرعية لاختياره واستفتائه فيه بالموافقة أو الرفض.
المصادر:
1- د. إبراهيم عبد العزيز شيحا، المبادئ الدستورية العامة، 2006.
2- د. ثروت بدوي، القانون الدستوري وتطوير الأنظمة الدستورية ،مصر 1971.
3- د. محمد حسين عبد العال، القانون الدستوري ، 1975.
4- د. محمد كامل ليله ، القانون الدستوري ، 1967.
5- د. محسين خليل ، النظم السياسية والدستور اللبناني، 1979.
أرجو أن يستفيد الجميع من الموضوع
ردحذف